الشيخ عباس القمي

682

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار

وروي عن أنس قال : كنت مع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم وعليه برد غليظ الحاشية فجذبه أعرابيّ بردائه جذبة شديدة حتّى أثّرت حاشية البرد في صفحة عاتقه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ثمّ قال : يا محمّد احمل لي على بعيريّ هذين من مال اللّه الذي عندك فانّك لا تحمل لي من مالك ولا مال أبيك ، فسكت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ثمّ قال : المال مال اللّه وأنا عبده ، ثم قال : ويقاد منك يا أعرابيّ ما فعلت بي ، قال : لا ، قال : لم ؟ قال : لأنّك لا تكافىء بالسيّئة الحسنة ، فضحك النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ثمّ أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر ، انتهى . أقول : والحديث عن حلمه وصبره وعفوه عند المقدرة أكثر من أن نأتي عليه ، وحسبك ما أشرنا إليه في « أذى » ما جرى عليه من كفّار قومه من الأذى وصبره على مقاساة قريش ومصابرته الشدائد الصعبة معهم إلى أن أظفره اللّه عليهم وحكّمه فيهم ، وهم لا يشكّون في استيصال شأفتهم وإبادة خضرائهم ، فما زاد على أن عفى وصفح وقال : ما تقولون انّي فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلم : أقول كما قال أخي يوسف : « لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ » « 1 » الآية ، اذهبوا فأنتم الطلقاء « 2 » . أقول : لا تثريب أي لا تأنيب عليكم ولا عتب . ما روي في يوسف مع إخوته روى صاحب الكشّاف في ذكر عفو يوسف عن إخوته وقوله لهم : لا تثريب عليكم ، رواية يعجبني نقلها هاهنا ، وهي ان اخوة يوسف لمّا عرفوه أرسلوا إليه : انّك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشيّا ونحن نستحي منك لما فرّط منّا قبل ، فقال يوسف : إنّ أهل مصر وإن ملكت فيهم فانّهم ينظرون اليّ بالعين الأولى ويقولون : سبحان من بلّغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في

--> ( 1 ) سورة يوسف / الآية 92 . ( 2 ) ق : 6 / 56 / 605 ، ج : 21 / 135 .